محمد المختار ولد أباه

36

تاريخ النحو العربي في المشرق والمغرب

أما العلل القياسية عنده ( وهي العلل الثواني ) فمثالها أن يقال لم نصبتم « زيدا » بأنّ ؛ ولم وجب أن تنصب « إن » الاسم ؟ والجواب عند الزجاجي إنها ضارعت الفعل المتعدي فحملت عليه ، فالمنصوب بها مشبه بالمفعول لفظا . أما العلل الجدلية النظرية ( وهي الثوالث ) فمثالها أن يقال من أي وجه شابهت هذه الحروف الأفعال ، وبأي الأفعال شبهتموها ؟ وهي أسئلة كثيرة يأخذ بعضها برقاب بعض ، وإذا كان الزجاجي في كتاب العلل لم يبسط فيها الجواب ، فإننا سنرى أبا البركات الأنباري يستقصيها بالبحث عن إعطاء تفسير منطقي لظواهر اللغة العربية ، وفقا لطريقة الأصوليين . والظاهر أن عمله كان وليد تفكير متعمق ، قام به عالم متمرس في النحو ومتشبع بمناهج أصول الفقه ، وليس من الغريب أن يسمي كتبه بأسرار اللغة ، أو باللمع ، ولعله فيها يشير إلى جهوده المتواصلة حتى اكتشف هذه الأسرار البعيدة ، وذلك عن طريق لمع تبين نوعا من الإلهام الصوفي ، الذي يعتمد على التخريجات المنطقية . بيد أن مشكلته الأساسية هي أن هذه الظواهر لا تخضع كلها لهذه التعاليل التي لم يقصدها العربي عن وعي ، وإنما وردت وفقا لتطور النظام اللغوي العام ، اللهم إلا إذا قررنا أن اللغة توقيف في جميع جزئياتها ، فحينئذ نستطيع الحديث عن قوانين سبقت وضع اللغة ، وهذا بحث يتجاوز محاولة التاريخ النحوي . لقد بينا أن ابن الأنباري اعتمد مذهب الأصوليين واصطلاحاتهم في التعليل ، وحاول تطبيقها في أصول النحو ، وذلك في كتاب لمع الأدلة ، لكنه في كتاب « أسرار اللغة » استهدف إعطاء العلل الثواني والثوالث للأحكام النحوية ، والمسالك التي أقرها للوصول إلى هذه العلل تتلخص في القاعدتين المذكورتين سابقا : وهما الفرق والتخفيف ، وقد أوضح ابن جني أن أكثر أنواع العلل تجري مجراهما . ولقد زاد ابن الأنباري عليهما « علة الحمل » وهي قريبة من قياس الشبه . فبعض هذه العلل إذن يتماشى مع ضوابط التفسير النحوي لأنه يساعد على